صفي الدين أبي الفتح عيسى بن البحتري الحلبي

54

أنس المسجون وراحة المحزون

ترك التعاهد للصّدي * ق يجرّ أسباب القطيعة 125 - وقيل : لن يبلغ المرء ما يأمل إلّا بالصّبر على ما يكره . « 126 » - وقال المدائني « 1 » أخبرني شيخ من أهل البصرة ، قال : شهدت امرأة من أهل البادية وبين يديها ابن يجود بنفسه ، فلمّا خرجت نفسه ، قامت إليه فغمّضت عينيه وعصّبته ، وترّحمت عليه ، ثمّ تنحّت عنه ، وقالت : يا بني « 2 » ، ما أحقّ من ألبس النّعمة ، وأطيلت له النّظرة ألّا يعجز عن التوفيق « 3 » لنفسه ، والاستعداد ليوم ظعنه قبل نزول الموت بعقوته « 4 » ، وحلوله بساحته وقبل أن يحال بينه وبين نفسه ، فيندم حين لا تنفعه النّدامة . قال : وقال لها رجل من حيّها : إنّا كنّا نسمع أنّ الجزع للنّساء ، ورأيتك قد حسن صبرك عن ابنك ، وما أشبهت النّساء . فقالت : ما ميّز مميّز بين صبر وجزع إلّا رأى بينهما منهجين متفاوتين ، أمّا الصّبر فحسن العلانية ، محمود العاقبة ؛ وأمّا الجزع فغير معوض صاحبه عوضا مع الذي يكسبه من المأثم ، ولو كانا رجلين في الصّورة لكان الصّبر أولاهما بغلبة في حسن الصّورة وكرم الطّبيعة لما في عاجله من الزّين ، وفي آجله من الثّواب .

--> ( 126 ) - كتاب التعازي 65 ، و 66 . والخبر بالمطبوع خبران لكل منهما سنده ، وهو بنحوه في العقد الفريد 3 / 243 ، والأمالي 2 / 278 . ( 1 ) المدائني علي بن محمد بن عبد اللّه أبو الحسن ، كان عالما بأيام الناس كثير التصانيف صدوقا ، صام ثلاثين سنة متتابعة ، وهو بصري ، انتقل إلى المدائن فنسب إليها ، قال ابن تغري بردي : وتاريخه أحسن التواريخ ، وعنه أخذ الناس تواريخهم ، توفي بمكة سنة ( 224 ) ه الأنساب 11 / 196 . الأعلام . ( 2 ) في كتاب التعازي : يا أبان . وهو أبان بن تغلب راوي الخبر الذي وقف على المرأة وفي الأمالي : يا ابن أخي . ( 3 ) في الأمالي : التّوثّق من نفسه . ( 4 ) عقوته : ما حول داره ، ومحلّته . القاموس ( عقو ) .